الشيخ محمد رشيد رضا
386
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
اليوم فإنه تعالى قال بعد آية سورة الروم ( 56 وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ . فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) وفي سورة المؤمنون ( 23 : 112 قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ؟ 113 قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ 114 قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) وفي سورة طه يختلفون بين اليوم والعشر . وقيل إن المعنى انهم يتعارفون بينهم يوم يحشرون كأنهم لم يتفارقوا لقصر مدة الفراق ، وثم أقوال أخرى في التشبيه يبطلها ما أوردنا من الآيات في شواهده قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ اي خسروا السعادة الأبدية إذ لم يستعدوا له بالايمان وعمل الصالحات المزكية للنفس ، المرقية للروح ، بما تكون أهلا لكرامته ومثوبته ، ورضوانه الأكبر في جناته ، فآثروا عليها حياة الدنيا القصيرة الحقيرة ، المنغصة بالأكدار ، السريعة الزوال ، التي يقدرونها يوم الحشر بساعة من نهار والجملة بيان مستأنف منه تعالى لخسران الذين كذبوا بلقاء اللّه من أهل مكة وغيرهم ، ولذلك ذكرهم بصفتهم المقتضية له وهي التكذيب وعطف عليه وَما كانُوا مُهْتَدِينَ فيما اختاروه لأنفسهم من إيثار الخسيس الفاني ، على النفيس الخالد الباقي ، أو هي معطوفة على جملة « قَدْ خَسِرَ » أي خسروا تجارتهم وأنفسهم ، وما كانوا مهتدين إلى أسباب النجاة والربح من الأعمال الصالحة التي هي ثمرات الايمان كما قال ( 2 : 16 فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ) وقد تقدم ذكر الذين لا يرجون لقاء اللّه تعالى في الآيات 7 و 11 و 15 من هذه السورة ، وتقدم ذكر خسرانهم في سورة الأنعام ( 7 : 31 ) * * * ( 46 ) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ ( 47 ) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 48 ) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 49 ) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا